ابن الأثير

24

الكامل في التاريخ

يهديه الأعراب ، فعجب النّاس من ذلك ، وأنكروه ، فعبر إلى المهدي بالرّصافة فأهداه له ، فقبّله وملأ الجوالقين دراهم ، فعاد بينهما ، فعلم أنّه ضرب من عبث الملوك . قال حمّاد « 1 » التركيّ : كنت واقفا على رأس المنصور ، فسمع جلبة ، فقال : انظر ما هذا ! فذهبت ، فإذا خادم له قد جلس حوله الجواري ، وهو يضرب لهنّ بالطّنبور ، وهنّ يضحكن ، فأخبرته ، فقال : وأيّ شيء الطّنبور ؟ فوصفته له ، فقال : ما يدريك أنت ما الطّنبور ؟ قلت : رأيته بخراسان . فقام ومشى إليهنّ ، فلمّا رأينه تفرّقن ، فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطّنبور ، حتى تكسّر الطّنبور ، وأخرج الخادم فباعه . قال : وكان المنصور قد استعمل معن بن زائدة على اليمن ، لما بلغه من الاختلاف هناك ، فسار إليه وأصلحه ، وقصده النّاس من أقطار الأرض لاشتهار جوده ، ففرّق فيهم الأموال ، فسخط عليه المنصور ، فأرسل إليه معن بن زائدة وفدا من قومه ، فيهم مجّاعة بن الأزهر ، وسيّرهم إلى المنصور ليزيلوا غيظه وغضبه ، فلمّا دخل على المنصور ابتدأ مجّاعة بحمد اللَّه والثناء عليه ، وذكر النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فأطنب في ذلك حتّى عجب القوم ، ثمّ ذكر المنصور وما شرّفه اللَّه به ، وذكر بعد ذلك صاحبه « 2 » . فلمّا انقضى كلامه قال : أمّا ما ذكرت من حمد اللَّه ، فاللَّه أجلّ من أن تبلغه الصفات ، وأمّا ما ذكرت من النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقد فضّله اللَّه تعالى بأكثر ممّا قلت ، وأمّا ما وصفت به أمير المؤمنين ، فإنّه فضّله اللَّه بذلك ، وهو معينة على طاعته ، إن شاء اللَّه تعالى ، وأمّا ما ذكرت من صاحبك ، فكذبت ولؤمت ، اخرج ، فلا يقبل ما ذكرته . فلمّا صاروا بآخر الأبواب أمر بردّه مع أصحابه ، فقال : ما قلت ؟

--> ( 1 ) . كماد . A ( 2 ) . حاجته . P . C